ابن المقفع

184

آثار ابن المقفع

الجرح . وأخلق بمن « 1 » فقد إخوانه بعد اجتماعه بهم ألا يزال منقصم « 2 » الظهر حزين النفس . فقال الظبي والغراب للجرذ : إن حذرنا وحذرك وكلامك وإن كان بليغا لا يغني عن السلحفاة شيئا ، وإنه كما يقال : إنما الناس عند البلاء وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء ، والأهل والولد عند الفاقة ، والإخوان عند النوائب « 3 » . قال الجرذ : أرى من الحيلة أن تذهب أيها الظبي فتقع بمنظر من القانص « 4 » كأنك جريح ويقع الغراب عليك كأنه يأكل منك . وأسعى انا فأكون قريبا من القانص مراقبا لعله يرمي ما معه من الآلة ويدع السلحفاة ويقصدك طامعا فيك راجيا تحصيلك ، فإذا دنا منك ففر عنه رويدا بحيث لا ينقطع طمعه فيك وأمكنه « 5 » من أخذك مرة بعد مرة حتى يبعد عنا . وانح منه هذا النحو « 6 » ما استطعت فإني أرجو الا ينصرف إلا وقد قطعت الحبائل عن السلحفاة وأنجو بها . ففعل الظبي والغراب ما أمرهما به الجرذ وتبعهما القانص ، فاستطرد له « 7 » الظبي حتى أبعده عن الجرذ والسلحفاة ، والجرذ مقبل على قطع الحبائل حتى قطعها ونجا بالسلحفاة . وعاد القانص مجهودا لاغبا « 8 » فوجد حبائله مقطعة . ففكر في أمره مع الظبي فظن أنه خولط في عقله « 9 » ، وفكر في الظبي والغراب الذي كان كأنه يأكل منه وتقريض حبائله ، قاستوحش من الأرض وقال : هذه أرض جن أو سحرة .

--> ( 1 ) اخلق به : ما اخلقه اي ما احقه . ( 2 ) منقصم الظهر : منكسر . ( 3 ) النوائب : المصائب . ( 4 ) وقع بمنظر منه : قريبا منه بحيث ينظره ( 5 ) أمكنه : اجعله يتمكن . ( 6 ) انح منه هذا النحو : اي اجر معه هذا المجرى . ( 7 ) استطرد له : اظهر له الانهزام مكيدة . ( 8 ) لغب يلغب لغبأ : تعب جدا ، واللاغب اسم فاعل اي التعب جدا . ( 9 ) خولط في عقله : اختل عقله .